حاجات قديمه

لها باب مفتاحه في فم طائر وكنوزها لمن يجـ ـدها» :قصة «واحة زرزورة»: «تبـ ـعد 3 أيام من الفيوم

ربما ضـ ـاع الطريق وربما ضاـ ـعت المدينة والواحة بأكملها، أما الاحتمال الأخير الذي يبقى في الحسبان أن المدينة والواحة والقصة كلها ليست سوى أسطورة ألفها صاحبها وترك العالم كله ليلهث ورائها بحثًا عن حقيقتها.

زرزورة، اسم صنع هوسا للمستكشفين حول العالم لواحة أشبه بالجنة على أرض الله بقيت لغزًا لا يجد إجابة له. ما يعرف عنها أنها على بعد ثلاثة أيام سفر من مدينة الفيوم، إذا ما سرت إلى غربها.

كما يقول حاكم الفيوم الأسبق في منتصف القرن الثالث عشر، عثمان النابلسي الصفدي في كتابه «تاريخ الفيوم وبلاده»، «مليئة بالنخيل والعيون وشجر الزيتون».

كما يصفها كتاب «كتاب الكنوز» من القرن الرابع عشر، الذي أعطى إرشادات للزائرين قائلًا: «اذهب إلى الوادى واستقر، عندها سترى وادى آخر بين جبلين يتجه غربًا. من هذا الوادى يوجد درب يؤدى إلى مدينة «زرزورة».

تحت أصوات الرياح الممزوجة بزقزقة العصافير على أغصان الأشجار والنخيل يرقدان.

ملك وملكة تحيطهما بقايا أسوار كانت لمدينة تبدو كجنة بيضاء خلقت في قلب واحة بصحراء واسعة لا تبدو لها نهاية، ينتظران زائر ضل طريقه إليهما منذ مئات السنوات.

زائر طالما انتظروه ولم يأت، وربما أبدًا لن يأت، فالطريق إلى جنتهما مفقود ولم يبقى منه سوى كلمات على ورقات وروايات عن رحلات لم تكتمل.

المدينة لها باب واحد ومرسوم عليه طائر زرزورة، والمدينة لها سور عالي أبيض ومنازل بيضاء، فالواحة بيضاء كالحمام الأبيض، مفتاح المدينة في فم الطائر، خذ المفتاح وافتح الباب وعندما تدخل المدينة سترى كنوز لاحصر لها وسترى الملك والملكة نائمين في القصر لاتقربهما ولكن فقط خذ الكنز».

لماذا لم يأخذ مؤلف هذا الكتاب الكنز لنفسه إذا ما كان يعلم مكانه؟ سؤال لا إجابة له في كتب التاريخ أو روايات السابقين، إلا أن إرشاداته بقت عالقة في أذهان الكثيرون الذين جمعوا أشيائهم وارتحلوا على الرمال الكثيفة بحثًا عن الجنة.. والكنز.

في قلب الصحراء الغربية، اعتلى جيرهارد رولفز، المستكشف الألماني، ظهر جمله وحيدًا في تلك الأيام من عام 1879، يبحث عن نقطة ماء، والعطش يعتصر معدته وجمله معًا.

لا وجود لتلك الواحة التي خرج للبحث عنها، الوقت يمر ببطئ وشبح الموت يظهر في الأفق وتتضح صورته أكثر فأكثر.. قطرة ماء تلامس بشرته وتنزلق على جبهته، هل هي قطرة عرق أم أوهام العطش بدأت تسيطر على، تسائل في نفسه قبل أن تأتيه الإجابة من السماء العالية بدش بارد من الأمطار الغزيرة، أي معجزة تلك التي أنقذته من الموت.

كان للأمر وقع كبير على قلبه، فأطلق على المكان اسم Rainfield، أو أرض الأمطار، فيما أصبح المكان فيما بعد جزء من عادة ينتهجها كل من يمر على تلك المنطقة من الرحالين والمستكشفين، فيتركون زجاجة في الرمال تحوي ورقة بتفاصيل رحلتهم. أما هو فبعد أن روت الأمطار ظمأه استكمل رحلته ليصل إلى واحات الكفرة بليبيا، كما ذكر في كتاب True Stories Desert Adventures: Usborne True Stories لجيل هارفي.

مرت عدة عقود وعاود آخرون الكرة في عشرينيات القرن العشرين، كانت هذه المرة رحلة يقودها ثري مصري، ربما ليس بحاجة إلى الكنز بقدر حاجته إلى المجد، هو أحمد حسنين بك، الرجل الذي كان اسمه يتردد في أروقة القصور الملكية المصرية، وشغل في يوم منصب رئيس ديوان الملك فاروق.

كانت رحلة «حسنين» ربما أكثر حظًا من رحلة «رولفز»، فالمصري الذي صحبته الإنجليزية روزيتا نوريس، استطاع أن يكتشف واحتين في صحراء مصر الغربية، هم العوينات وأركنو، هاتان الواحتان اللاتي كتب عنهما في كتابه «الواحات المفقودة»، عام 1925. حظ «حسنين» الأفضل من حظ المستكشف الألماني قد يكون قاده إلى واحتين إلا أن الواحة الأهم بقيت في حاجة إلى مزيد من الحظ ربما. لم يستطع من حصل من بريطانيا على لقب «رحالة عظيم» أن يصل إلى زرزورة.. واستمرت الأسطورة.

لم يكن «حسنين» الوحيد في العشرينات الذي خرج لاستكشاف الصحراء، فتبعه البرنس كمال الدين، الذي خرج ليبحث عن زرزورة لأول مرة بمجنزرة، قبل أن يتبعه في البحث اللواء البريطاني أر.أي. باجنولد لكن هذه المرة بسيارة عادية لأول مرة أيضًا، أما نتيجة بحث كلاهما عن زرزورة فكانت الفشل الزريع.

كانت سنوات الثلاثينات من القرن العشرين قد هلت، حين جلس المستكشف المجري، الكونت ليدسلوس ألماسي، مع نفسه يفكر في حلمه الذي يعيش من أجله.. زرزورة. لا يصدق هو رواية الكنز والمدينة القديمة والأسوار البيضاء، يقول لنفسه دائمًا ما هذا إلا هراء وأساطير عربية لا تمت للحقيقة بصلة، لكنه يصدق أن الجنة تبعد في الصحراء مسافة بضعة كيلومترات. هو الذي يبني اعتقاده هذا على رواية رجل يثق في صدقه، السير جاردنر ويلكنسون.

كان «ويلكنسون» هو من اكتشف واحة الداخلة، حيث قال له السكان المحليين عن ثلاث واحات باتجاه الكفرة، تم اكتشافهم لاحقًا بالفعل، كما وصفوا له أودية آخرى باتجاه الفرافرة، قالوا إنها تحوي النخيل والينابيع والأطلال، في وصف أقرب ما يكون إليها هي.. الحلم الذي حلم به الكثيرون، الأرض التي استعصت على الجميع، الجنة الموعودة.. زرزورة.

كان منطق «ألماسي» أن طالما صدق المحليون في روايتهم عن الثلاث واحات فبالتأكيد روايتهم عن الأودية صادقة بدورها. وكان يمني هو نفسه أن يجد تلك الأودية التي تقوده إلى زرزورة.

أشرقت شمس صباح 12 أبريل عام 1932 على واحة الخارجة، حين اجتمع «الماسي» مع شركاءه في رحلته الاستكشافية الموعودة. كان قد قرر أن يجد زرزورة أخيرًا، وقد انضم إليه في مسعاه ثلاثة بريطانيين، هم السير روبيرت كلايتون-إيست-كلايتون، والضابط إتش بيندرال، ورسام الخرائط باتريك كلايتون، بالإضافة إلى 6 مصريين.

صورة ليدسلوس ألماسي

«الخطة كالآتي: سنأخذ الطائرة روبيرت (طائرة شراعية) ونتجه للجنوب الشرقي تجاه الجلف الكبير، تلك الهضبة العالية، وسنجدها هناك، أنا واثق من ذلك، هي في تلك المنطقة، سنبحث بالسيارة عن الواحة، وسنستعين بروبيرت في البحث أيضًا»، قال «الماسي» لرفقاء الرحلة، قبل أن.

يبدأوا في تنفيذ الخطة بحذافيرها. كانت رحلات الصحراء دائمًا ما تتطلب أن يعتني كل برفيقه، وعليه كان من أولى قواعد الرحلات الاستكشافية أن ينبذ رفقاء الرحلة الخلافات بينهم أو على الأقل يحجبوها عن الأنظار حتى تنتهي رحلتهم، وكان هذا الأمر ينطبق على الأوروبيين الأربعة.

تبادل الرجال قيادة الطائرة الشراعية في طريقهم إلى الجلف الكبير، لكن الأمر يبدو أنه قد أخذ منهم، بسبب العاصفة الرملية التي واجهوها، وقتًا أطول مما كان متوقعًا، الماء ينفد والعطش يزداد. «علينا أن نذهب إلى الكفرة للبحث عن الماء قبل أن نكمل رحلتنا.. لن يأخذ الأمر وقتًا طويلًا»، قال «ألماسي» للرجال، ليرد باتريك كلايتون معترضًا: «الكفرة مستعمرة إيطالية، لا يمكننا الذهاب إلى هناك سيعتقلوننا».

«لا تكن أحمقًا، لما سيفعلون ذلك؟»، جادله «ألماسي»، الذي كان معروفًا عنه عناده، ليصرخ فيه «كلايتون»، الذي كان معروفًا عنه كرهه للإيطاليين: «لأنهم لا يحبون أن تطأ أقدام البريطانيون أراضيهم»، ليصرخ «ألماسي» فيه بدروه: «أنا لست بريطانيًا». لحظات من الصمت تبادلا فيها النظرات قبل أن يتمتم «كلايتون»: «نعم، أنت لست بريطانيًا»، ليسود الصمت مجددًا وتعود نظرات التحدي. غلبت أجواء التوتر على المجموعة وتحطمت القاعدة.

صورة باتريك كلايتون

كان رأي «بيندرال» أن يذهب «ألماسي» وحده إلى الكفرة ليأتي بالماء، بينما يتجهون هم إلى الجلف الكبير، معللًا ذلك بأن الإيطاليين قد يستقبلونه هو بشكل جيد، لكنه كرجل عسكري بريطاني فالأمر مستبعد، وبالفعل حدث ذلك تمامًا، فاستقبل الإيطاليون «ألماسي» بحفاوة بالغة، حيث تزود بالماء ورحل ليلحق بزملاءه، الذين كانوا في تلك الأثناء يحلقون فوق الجلف الكبير بينما تعلو وجوههم ابتسامة عريضة. كانت أعينهم تلمح واديًا طويلًا مزروع بأشجار الأكاسيا، يبدو وأنه أحد الأودية الثلاثة التي تحدث عنها «ويلكنسون».

عندما عاد «ألماسي» إلى المعسكر وسمع الأخبار كانت الفرحة تتقافز من أعينه، «لقد وجدنا زرزورة»، قالها لزملاءه في سعادة بالغة. كانت المهمة الآن هي أن يجدوا مدخل الوادي بسيارتهم. حلق الرباعي بالطائرة فوق الوادي بحثًا عن طريق يترائى لهم ليسلكوه بالسيارة إلا أن كل الطرق للوادي بدت مغلقة كما لو كانت الجبال تحتضن الوادي كأم ترفض لغريب أن يصل إلى فلذة كبدها.

كانوا قد اكتشفوا أثناء تحليقهم وادي آخر، إلا أنه كان صغيرًا ولا يقارن بذلك الوادي المتمنع عليهم. كان الوقت يمر وكان عليهم أن يعودوا إلى القاهرة، وأي عودة كانت بخيبة أمل.

مرت بضعة شهور وها قد أتى سبتمبر وقد تغيرت معه عدة أشياء ليس من بينها رغبة كل من الخصمين «ألماسي» و«كلايتون» في الوصول إلى زرزورة. كان السير كلايتون-إيست-كلايتون قد أصيب بعدوة مميتة توفي على إثرها في عمر الـ24، وقررت زوجته السيدة دورثي أن تكمل .

مسيرته في البحث عن الواحة المفقودة. فاتحت «دورثي» صديق زوجها «كلايتون» في فكرة أن تحل محله، ورحب رسام الخرائط بالفكرة، إلا أنه أخبرها أن «ألماسي»، الذي كان خارج مصر في هذا الوقت، لن يعود إلى القاهرة، لذا لن تكون هناك رحلة للبحث عن زرزورة بنفس الفريق إلا أنه أخبرها أنه سيذهب في رحلة بنفسه ودعاها أن تنضم إليه. رحبت «دورثي» بالفكرة، وقالت له: «لم أكن لأحب أن أسافر بصحبة ألماسي في كل الأحوال.. رجل بغيض».

لم يكن ما قاله «كلايتون» لزوجة صديقه حقيقي، فـ«ألماسي» كان سيعود إلى القاهرة، وكان ينوي استكمال البحث عن زرزورة، إلا أن العلاقة المتوترة بين «كلايتون» والبلجيكي جعلته يحاول التخلص من غريمه.

صورة دورثي وزوجها

عاد «ألماسي» إلى القاهرة، ووردت إليه الأنباء عن نية «دورثي» و«كلايتون» أن يكملا البحث بدونه، وسريعًا قام هو بوضع خطة لرحلته الخاصة ليسبق «كلايتون» إلى زرزورة. وفي عام 1933 انطلقت رحلتين يقودهما غريمين وقودهما الحقد والغيرة والكراهية للبحث عن جنة الصحراء الغربية.

في هذه الرحلة، اصطحب الماسي صديقه القديم دكتور ريتشارد بيرمان، حيث توقفا في أول محطاتهما إلى الجلف الكبير في منطقة أبوبلاص، تلك المنطقة التي اكتشفها أهالي الداخلة عندما كانوا يطاردون لصوصا، ووجدوا فيها 300 بلاص مدفونين في الرمال، فيما كان واضحًا أن اللصوص كانوا يستخدمونها كمحطة للشرب في طريقهما للسرقة.

صورة «ألماسي»

ومن أبوبلاص، انطلق الصديقين إلى شرق الجلف الكبير بحثًا عن مدخل للوادي الذي رأوه العام الماضي، وكان ما اكتشفوه أن الجلف الكبير، الذي اعتقدا أنه لا يمكن عبوره، مقسم إلى جزئين وأن هناك مساحة تحت الصخور تستطيع أن تمر من خلالها سياراتهم بسهولة. مع اكتشافهم، توجهها إلى الكفرة للتزود بالماء والطعام، وهناك تطرقت إلى مسامعهم أخبار رحلة كلايتون. «لقد اكتشف كلايتون ودورثي مدخلًا للوادي وقد عادا إلى القاهرة وهم في غاية السعادة والرضا»، قال «ألماسي» لصديقه. واستطرد: «علينا أن نتتبع أثرهم، ومن هناك سنبحث عن دلائل تقودنا للواديين الآخرين».

في قلب الوادي راح «ألماسي» وفريق رحلته يرسمون ويلتقطون صورًا للرسومات التي وجدوها منقوشة على الصخر، زرافات وأسود وبقر، كان من الواضح أن المكان كان مأهولًا بالسكان من قبل، لكن الوقت لم يكن ليسعفهم أن يكملوا رحلتهم، وكان عليهم أن يعودوا مجددًا إلى القاهرة مع الصيف.

WadiSuraHumans.jpg

صورة لكهف السباحين

بعدما أنقشع حر الصيف عاد «ألماسي» إلى العوينات، وبدأ رحلته مجددًا للبحث عن زرزورة، وفي تلك الرحلة اكتشف كهف عرف لاحقًا بـ«كهف السباحين»، في وادي وعر بين العوينات والجلف الكبير، حيث اكتشف رسومات آخرى، تظهر بشكل واضح أشخاص يسبحون. كانت الرسومات دليل على أن المكان كان يومًا خصب جدًا بل وكان يحوي ربما بحيرة، وتسلل الشك إليه، ربما هذه وليست الأودية الثلاث هي ما وراء أسطورة زرزورة، لكن من حقًا كان يعلم؟

هل وصل «ألماسي» إلى زرزورة أم لم يصل؟ هل ما نقش على جدران كهف السباحين هي بقايا الجنة الموعودة؟ هل لا تزال زرزورة في مكان ما في قلب الصحراء تنتظر أن يقود القدر فاتح إليها؟ أم أن زرزورة لا وجود لها أصلًا؟ كلها أسئلة تبقى بلا إجابة حقيقية، وستبقى كذلك ربما، إلا أن القصة

نفسها قد خلبت لب هوليوود لترويها في فيلم شهير حاز على 9 جوائز أوسكار، عام 1997، هو The English Patient، عن رواية مايكل أونداجي وبطولة رالف فينيس وجوليت بينوتشي وويليام دافو وكريستين سكوت توماس، فيما يبقى من أروع الأفلام في تاريخ السينما العالمية، مكانة لا تختلف عن مكانة القصة نفسها.. قصة زرزورة المفقودة.. جنة الصحراء الموعودة.

المصدر المصري اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق